الشيخ محمد رشيد رضا
23
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التدين في مقاتلتهم أكثر وأقوى منه في الجنود الانكليزية وثبت أنه كان من أسباب انتصار الجيش البلغاري على الجيش التركي في حرب البلقان المشهورة ما كان من إبطال القواد والضباط من الترك للأذان والصلاة من الجيش والدعاية التي بثوها فيه من وجوب الحرب للوطن وباسم الوطن ولشرف الوطن - فلما علموا بهذا أعادوا المؤذنين والأئمة بعمائمهم إلى كل تابور وأقاموا الصلاة فيهم . وقد روت الجرائد ان العساكر لما سمعت الأذان صارت تبكي بكاء بنشيج عال كان له تأثير عظيم ، وكان تأثير ذلك بعود الكرة لهم على البلغار ظاهرا ، وقد ذكرنا هذين الشاهدين في المنار كل واحد في وقته ، وسوف يرى الترك سوء عاقبة كفر حكومتهم ومحاولتها إفساد دين شعبها عليه وقد نشرنا في ( ص 846 و 847 ) من مجلد المنار الأول حديثا للبرنس بسمارك وزير ألمانية ومؤسس وحدتها الذي انتهت اليه زعامة السياسة والتفوق في أوربة على جميع ساسة الأمم في عصره قال فيه : ان من تأثير الايمان في قلوب الشعب ذلك الشعور الذي ينفذ إلى اعماق القلوب باستحسان الموت في سبيل الدفاع عن الوطن ولو لم يكن هناك أمل في المكافأة ، وعلله بقوله « ذلك لما استكنّ في الضمائر من بقايا الايمان ، ذلك لما يشعر به كل أحد من أن واحدا مهيمنا يراه وهو يجالد ويجاهد وبموت وإن لم يكن قائده يراه » فقال له بعض المرتابين : أتظن سعادتكم ان العساكر يلاحظون في أعمالهم تلك الملاحظة ؟ فأجابه البرنس : ليس هذا من قبيل الملاحظات وانما هو شعور ووجدان ، هو بوادر تسبق الفكر ، هو ميل في النفس وهوى فيها كأنه غريزة لها - ولو أنهم لاحظوا لفقدوا ذلك الميل وأضلوا ذلك الوجدان . « هل تعلمون أنني لا أفهم كيف يعيش قوم وكيف يمكن لهم أن يقوموا بتأدية ما عليهم من الواجبات أو كيف يحملون غيرهم على أداء ما يجب عليهم - إن لم يكن لهم إيمان بدين جاء به وحي سماوي ، واعتقاد بإله يحب الخير ، وحاكم ينتهي اليه الفصل في الاعمال في حياة بعد هذه الحياة ؟ ثم ساق الوزير كلامه على هذا النمط بأسلوب آخر وهو الكلام عن نفسه